Saturday, March 12, 2011

قتلوا الحياة (إهداء إلى شهداء الحياة الجديدة 2011)

قتلوا الحياة...قتلوها.. وقت تقهقرهم
قتلوها لما رأوها تخيفهم و ترهبهم
قتلوها لما استحالت عملاقا لتدهسهم
تفض نومهم و تقلق في الليل مضجعهم
تهدد سلطانهم .. تهز عروشهم و قصورهم ..و تهدم أسوارهم .. زنانينهم .. و تهدمهم
قتلوا الحياة..و قد انتبهوا أخيرا..أن  وجودها.. نهاية دولتهم و.. موتهم
كانت حساباتهم .. لا تبالوا بهم! بحياتهم..لسنين هكذا هم ..فكيف الآن يملكون قوتهم ؟
انهم شعب خانع ..ساكن..مهاود..صبور..ميت..اعطوه الخبز يلتهم
اعطوه فتاتا من كل شيء!.. و اشغلوه بعمل أي شئ!..و أغمضوا عينيه.. حتى لا يرى فضائحهم
تناسوهم ..حاوروهم..ناوروهم ..كمموهم.. و إن تمادوا عذبوهم و اقتلوهم
لا تخافوهم..لا تخافوهم
هذي أوامري اسمعوني!
من طالب لا تجيبوه! ..ومن كتب اعتقلوه !..و من تظاهر اقتلوه!.لا تتركوهم للحياة.. لا تتركوهم.
يا من لم ترحموا نفوسكم ..هذي شعوبكم لم ترحموها
هذي شبابكم قتلتموها..وزهوركم قصصتموها..وكنوزنا نهبتموها..
هذي قدرات البلاد وحتى أقوات العباد أكلتموها
هذي حياتنا .. الآن ربحناها ..و أنتم خسرتوها..خسرتوها

Monday, December 27, 2010

و تحرك القطار

رأيتهما ..و كأني لم  أرهما من قبل ،هي.. تشع بهجة و اشراقا
و مرح و حيوية ، و هو.. يتوهج قوة و نضجا و يبزغ من عينيه بريق الأمل و الاصرار ..رأيتهما معا..يداهم متشابكتان..  و كأن علاقتهما  كان لها مفعول السحر في شخصية كل واحد منهما..
و كأن روحيهما قد بعثتا من جديد و امتزجتا معا في سيمفونية بديعة ما كنا نسمعها من كل منهما ان عزف وحيدا .
لم أكن أتخيل أبدا أن هذا الشاب الذي كان يبدو بالأمس غير مكترث بالحياة،قانطا عليها سيصبح ذات يوم هذا الرجل الذي تملأ الابتسامة وجهه في زهو و انتصار ، و أن هذه الشابة الخجولة قليلة الكلام ..غير الخبيرة بالحياة.. ستتحول الى هذه الشخصية النشطة النابضة .انه الحب الذي  وحد قلبيهما و أصبح الوقود الذي أشعل فيهما وهج الحياة.
  بينما سارا ملتصقين كأنما لا يفهمان غير بعضهما و كأن العالم بكل  ضجيجه لا يؤثر فيهما و الناس لا تعرفهما ..  عرفتهما أنا ..الذي طالما نظرت اليهما باستعلاء ،كنت أراها صغيرة و ساذجة وأراه مستهتر و عابث ،و لكني الآن أتحدى أن يفشل أحد منهما طالما أنهما معا ..لقد وجد كل منهما من يأخذ بيديه و يقيمه حين يسقط  و يربت على كتفيه ليشجعه حين ييأس .
لقد كانا في محطة القطار يستعدان للرحيل ..الى أين؟ لا أعلم ..فهم جزء من رحلة هذه الحياة ..رحلتهما و رحلتي ..
أما أنا فقد عشت حياتي وحيدا.. حبيس  ذاتي.. جامد الشعور، أفكر بعقل ميت وأتبنى نظريات سطحية ضحلة.. بلا روح .. استطاعا هما  أن يؤثرا في .. لقد علماني  أن في  الآخر نشعر و نعيش و نتقدم وننمو وفي الذات ننحط  و ندفن .
كانا ينتظران القطار .. حتى حضر و ركباه.. ثم تحرك القطار.. ووقفت بالمحطة وحيدا .

غدا تزورني الشمس

عندما أتم عامه السادس .. تلقفته يد فظة ليعمل في ورشة تطوع الزجاج :تقطعه وتصنفره ،فبعد وفاة والده لم يكن للأسرة معيل أخر غيره و اضطر أن يعمل هو ليوفر طعاما له و لأمه و أخيه الرضيع.يعمل منذ الصباح الباكر قبل شروق الشمس و يرجع عند غروبها .
كانوا يسكنون في بدروم عمارة ..لا تصله الشمس .. به فتحات صغيرة للتهوية ترتفع قليلا عن سطح الرصيف المجاور .
كان حلمه صغيرا مثله .. فرغم صعوبة الحياة و قسوتها لا زالت أفكاره بسيطة و أحلامه طفولية ..و كأنه رفض في عقله الباطن أن يعطي الحياة فرصة تشكيله و سلب برائته فينسى الحلم و يكره الواقع ..
كان يتمنى أن تزور الشمس بيته ..أي البدروم المظلم الذى لم ير فيه نور الشمس منذ أن ولد..
 و يتسائل "متى تزورنا الشمس يا أمي ؟ اتمنى أن تفعل ذلك غدا "وينام في سكون بعد عناء يوم طويل .
نام الطفل الصغير و في نومه رأي الشمس تبتسم له في صفاء و تداعبه بضوئها فيحول عينيه عنها ثم يرجع و ينظر إليها بفرح ،يشيح بيديه و يغمي عينيه ثم يعود لينظر من جديد سعيدا.. فتبتسم له ثانية .
صحى من نومه و قد قرر أنه "غدا سوف تزورني الشمس !"
 في اليوم التالي  أسرع إلى عمله بورشه الزجاج و إختار قطعة زجاج مربعة ملساء و قصها..
 و هذبها لتصبح مراة و صنع لها إطارا و رجع مهرولا و ثبت المراة في عامود إنارة مطفأ أمام العمارة لتنظر تجاه فتحات التهوية .. و نطق فرحأ "تفضلي أيتها الشمس ".عكست المراة نور شمس الصباح و راح البدروم كله يشع ضياءا و أضفت الشمس ظلالا و ألوانا على الحوائط المتربة ..و كشف الضوء الكثير و الكثير مما خفي من مكونات البدروم ..حزن على ما وجده في المكان من قذارة و لكنه عزى نفسه قائلا"الأن و قد دخلت الشمس بيتنا لا يحق للظلام أن يبقى . 

سيداتي آنساتي سادتي

كان المسرح يضج بالحاضرين الذين جاءوا من كل مكان بالبلدة ليستمتعوا بالعرض الرائع للساحر الشاب الذي كانت فقرته تبهر الكبير و الصغير.
أغلب الحاضرين حضروا فقرة الساحراكثر من مرة و يعرفون مقدما تتابع ألعابه و فكرة كل حيله ومع ذلك لم يملوا من أن يصفقوا بإعجاب شديد عند عرض فقراته .كان كل أب يريد أن يروح عن أسرته يدعوهم للذهاب للمسرح حيث العرض اليومي للساحر ..وبصراحة كان دائما ما يكون هذا الاختيار موفقا إذ يضفي بهجة كبيرة على الأسرة لأسبوع كامل .
في تلك الليلة ..تقدم مقدم الحفل ليعلن قرب بدء فقرة الساحر و ابتدأ يمدح و يثني عليه و على قدراته الخارقة في خفة اليد و الخداع ."سيداتي آنساتي سادتي و الآن الساحر المعجزة الذي أمتع الجماهير العريضة بفقراته الجذابة .."
انفجرت القاعة بالتصفيق مع دخول "الساحر"الذي بدأ في عرض فقراته الفقرة تلو الأخرى وسط إعجاب المشاهدين فيما عدا مشاهد واحد كان يجلس في ركن في الصف الأمامي و ينظر بتمعن ناحية الساحر ترى في عينيه نظرات الامتعاض و يدير رأسه يمينا و يسارا كلما سمع تصفيق الناس بعد كل فقرة ثم يغمض عينيه غير راغب في النظر .و الآن سيداتي آنساتي سادتي الفقرة الرهيبة ،سيشطر الساحر الفتاة الجميلة إلى نصفين بألواح معدنية حادة .إمتلأت عيون المشاهدين رعبا على الرغم أن أغلبهم قد شاهد تلك الفقرة من قبل مرات و مرات و كلهم يعرفون أنها خدعة بصرية من خدع الساحر وضع الساحر الفتاة في الصندوق الأسود و غرز الحديد في منتصف الصندوق فشطره نصفين و باعدهم عن بعضهما فأصبحت قدماها في ناحية و رٍأسها في ناحية و هي تبتسم للمشاهدين .وهنا ارتفع صوت الرجل ذاته- الجالس في ركن الصف الأمامي-"هذا تهريج واستخفاف بعقل الناس ،كلنا نعرف أن هذه خدعة بصرية و مع ذلك فأنت لا تزال تستخدم هذه الحيل في تضليل الناس".بهت الناس حين سمعوا هذا الرجل وحملق الساحر فيه و انتقل ببصره شاخصا في الجماهير المترقبة و قد بدأ يشحب و عرقه يتصبب فلم يحدث له هذا الموقف من قبل في أية ليلة قدمها ..و لكن سرعان ما انطلقت الجماهير تهاجم الرجل الثائر "لقد أفسدت العرض و أفسدت متعتنا " و تقدم بعض الشباب المتحمس يمطرون الرجل بسيل من الضربات على رأسه و ظهره و انهالت عليه العصي و الكراسي و سمع ما لا يطيق من الشتائم حتى هرب يعدو مسرعا لينقذ نفسه .
عاد الهدوء للقاعة و دخل مقدم الحفل يقول سيداتي آنساتي سادتي نعتذر عما حدث و نواصل تقديم العرض الفني .و تهيأت الناس من جديد لاستكمال الفقرات و ابتدأوا يبتسمون فهم يعرفون مسبقا أن الفقرة القادمة ستكون كوميدية .   

ببساطة

صحوت متأخراً.. رن المنبه كثيرا..وكنت أكتم رنينه و في آخرمرة سقط على الأرض و تهشم و أفقت على صوت ارتطامه بالأرض..قمت و لبست ملابسي مسرعا ..انفرط زر القميص ولم أجده ..تعقدت رابطة العنق حول عنقي و لم أعبأ بفكها فقد كنت أود الخروج مسرعا من البيت .نادتني الجارة أثناء خروجي لألتقط  لها مشبك الغسيل الذي سقط على الأرض و بينما أهم لأقذفه لها تناثر الماء من جار آخر كان يروي زهوره فأصاب بدلتي بالبلل .ركبت أول "توك توك" الذي ما إن تحرك حتى  اصطدم بزميله و تبادلا الصياح و السباب .تركته راكضا لألحق بالمترو و سرعان ما دخلت حتى أغلق الباب على قماش بدلتي الثمين و تجمع الناس ليفتحوا الباب فلم يستطيعوا ..و انتظرت حتى المحطة التالية .اصطدمت بطفل يحوم بالمترو فبكى و تأثرت أمه فتشاجرت معي ..سمعها عجوز مسن فلعن جيل الشباب كله .دخل متسول القطار وخرج و إذ بي لا أجد محفظتي و بها نقودي و بطاقة الهوية و رقمي الخاص لدخولي من باب  العمل .ركبت "تاكسي "تعطل في الطريق ..أقلتني الحافلة إلي باب العمل و خرجت منها بشعر أشعث و طبعا لم يعرفني أمن الباب و طلبوا رقمي السري أو بطاقة هويتي ..لم يصدقوا أنني سرقت ..ضمنني زميل لي ..طلبني المدير و سمعت تعييره على تأخري ..خصم لي يومان .. و قال لي خذ الأمر ببساطة  و عد من حيث أتيت فاليوم غير محسوب لك .رجعت متعبا أجر قدماي ..ارتميت على السرير ..ورحت في نوم عميق و في اليوم التالي صحوت متأخرا..رن المنبه كثيرا........

المترو

كالعادة .. ركب قطار مترو الأنفاق متوجها إلى مكان ما ..سيناريو تكرر كثيرا .. يقف مواجها للباب منتظرا محطة النزول .. و سرعان ما تراوده الأفكار ذاتها بمجرد أن تتحرك عجلات القطار ..ثم ينزل القطار تحت الأرض .. فتظلم الدنيا أمامه .. وبسرعة يضاء نور المترو حتى يرى الناس بعضهم بوضوح .. أما هو فلا يرى أمامه سوى صورته المنعكسة بفعل الضوء على زجاج الباب ..وتراه يبدأ في التفكير و كأنه يكلم نفسه الواقفة أمامه .. ما أسرع قطار العمر! .. بعد كل هذه السنين لا يمكن أن يكون طريق حياتي- الذي  اخترته- خطأ .. فلقد اخترت المثاليات .. وهل في هذا خطأ؟.. و لكن ما لي أقارن نفسي بغيري فأجدهم في وضع أفضل ؟.. لا ..
لا أظن أننا من نصنع حياتنا بأيدينا .. و المحظوظ هو من تكون حياته مباركة من قبل الله .. وماذا عن القرارات الخاطئة والقرارات الصواب التي تأخرت وتلك التي لم تتخذ؟ما هو مقياس المكسب و الخسارة و من الذي يسأل عنهما ؟ أعتقد أن كل شيء بميزان و المعادلة متساوية بطرفيها .
لقد حاول كثيرا أن يفعل كل شيء بنظام يتماشى مع طبيعته الهادئة و لكن الحياة أصلا مضطربة .. و سريعة .. هل أخطأ حينما حاول أن يبطئها .. و يشد (الفرملة) لتهدأ و تمشي مع إيقاعه .. و لماذا يشعر الآن أن القطار يسير بلا هدف ؟...... و لماذا لا يقدر أن يدير عجلة القيادة بنفسه ؛ فيتحكم في سرعة القطار .. انه يشعر أنه في هذا القطار منذ زمن بعيد ..    
و أنه قد كبر كثيرا رغم صغر سنه .. لقد كان طموحه هو الكهرباء التي تدفع قطار حياته  للأمام ..و تعطيه هو القوة
و الشباب.. و أين هو من هذا الطموح الآن .
و مثل كل مرة يفيق حين تختفي صورته التي انطبعت على خلفية الظلام .. فقد وصل المحطة بأضوائها وضجيجها .. أصبح لا يرى صورة نفسه .. و من جديد يجد نفسه تائها في شبه الحياة . 

الكانيولا

دخلت غرفتها .. فوجدتها هي.. بجسدها الواهن أكثر من ذي قبل .. و قد ازداد شحوبها و ضعفها .. و لكنها لها ذات النظرة الثاقبة الحادة .. نحو الحياة. طلبت منها أن تمد يدها لي و بكل استسلام فعلت هي ذلك . كان علي أنا الطبيب أن أبحث عن وريد مناسب لحجم (كانيولا ) لأدخل لها المحاليل اللازمة للغذاء  و العلاج .بحثت كثيرا في اليد الرقيقة التى ذابت من المرض  .. بحثت و ضغطت الشريط الضاغط كثيرا ثم أعود فأعتذر بينما لم تتأوه هي .أخيرا وجدنا وريدا ..حاولت أن أدخل (الكانيولا) و أنا أتألم ..و مريضتى صابرة .
لم يكن من السهل علي أن أكرر المحاولة .. و أخيرا أشفقت الكانيولا و دخلت .. و سمحت أيضا بمرور المحاليل بها .
بالرغم من صغر سن مريضتى إلا أنها كانت تقاوم السرطان بشدة و هدها العلاج بعد أن هدها المرض.هزلت و خف وزنها بشدة و لكن عزيمتها بقيت قوية .قالت لي و انا متوجس بينما أحاول تركيب (كانيولا) أخرى بعد مرور ثلاثة أيام "أدخلها في الذراع الأخر فلا زالت به أوردة جيدة". سرحت بفكري ترى أين أنا من هذه البطلة التي تقاوم مرضا قاسيا بينما ايأس أنا بسرعة و أعيش أحيانا بلا رجاء و بلا شكر .وسط هذه الأفكار لا أتذكر كيف استطعت تركيب (كانيولا ) جديدة و تركت غرفتها بسرعة .ٍ